السيد كمال الحيدري

368

اللباب في تفسير الكتاب

إذن فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبُعده ، والجميع على الصراط المستقيم ، وقد بيّن هذا المعنى في مَثَل ضربه الله للحقّ والباطل في كلامه فقال : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) ( الرعد : 17 ) حيث أشار إلى أنّ القلوب والأفهام في تلقّى المعارف والكمال مختلفة ، مع كون الجميع متّكئة منتهية إلى رزق سماوىّ واحد . ثالثاً : ومن أهمّ النتائج المترتّبة على تعدّد السُّبل الإلهيّة واختلافها ، أنّ الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليها ، فلكلّ سبيل هداية قبله تختصّ به ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ( العنكبوت : 69 ) إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله وبين أن يجاهد في الله . فالمجاهد في الأوّل يريد سلامة السبيل ودْفع العوائق عنه ، بخلاف المجاهد في الثاني فإنّه إنّما يريد وجه الله ، فيمدّه الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاصّ به ، وكذا يمدّه الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتّى يختصّه بنفسه جلّت عظمته . الجواب عن إشكالية تحصيل الحاصل ممّا تقدّم يمكن أن يُجاب عمّا قد يُقال : إنّ سؤال الهداية ممّن هو مهتدٍ بالفعل يلزم منه تحصيل الحاصل ، وهو محال . وكذا ركوب الصراط بعد فرض كونه عليه ، تحصيل للحاصل ، ولا يتعقّل أن يتعلّق به سؤال . فإنّ الصراط المستقيم لمّا كان أمراً محفوظاً في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها ، صحّ أن يهدى الله الإنسان إليه وهو مهدىّ ، فيهديه من